سيد قطب

3436

في ظلال القرآن

بيده ، وقال : حسبك يا رسول اللّه ألححت على ربك ! فخرج وهو يثب في الدرع ، وهو يقول : « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . . . » . وفي رواية لابن أبي حاتم بإسناده إلى عكرمة ، قال : لما نزلت « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » قال عمر : أي جمع يهزم ؟ أي أي جمع يغلب ؟ قال عمر : فلما كان يوم بدر رأيت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يثب في الدرع ، وهو يقول : « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » . فعرفت تأويلها يومئذ ! وكانت هذه هزيمة الدنيا . ولكنها ليست هي الأخيرة . وليست هي الأشد والأدهى ؛ فهو يضرب عن ذكرها ليذكر الأخرى : « بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ . . أدهى وأمر من كل عذاب رأوه أو يرونه في هذه الأرض . وأدهى وأمر من كل مشهد رأوه مرسوما فيما مر . من الطوفان ، إلى الصرصر . إلى الصاعقة . إلى الحاصب . إلى أخذ فرعون وآله أخذ عزيز مقتدر ! ثم يفصّل كيف هي أدهى وأمر . يفصل هذا في مشهد عنيف من مشاهد القيامة : « إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ » . . في ضلال يعذب العقول والنفوس ، وفي سعر تكوى الجلود والأبدان . . في مقابل ما كانوا يقولون هم وأمثالهم من قبل : « أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ ؟ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ » . ليعرفوا أين يكون الضلال وأين تكون السعر ! وهم يسحبون في النار على وجوههم في عنف وتحقير ، في مقابل الاعتزاز بالقوة والاستكبار . وهم يزادون عذابا بالإيلام النفسي ، الذي كأنما يشهد اللحظة حاضرا معروضا على الأسماع والأنظار : « ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ » ! وفي ظل هذا المشهد المروع المزلزل يتجه بالبيان إلى الناس كافة ، وإلى القوم خاصة . ليقر في قلوبهم حقيقة قدر اللّه وحكمته وتدبيره . . إن ذلك الأخذ في الدنيا ، وهذا العذاب في الآخرة . وما كان قبلهما من رسالات ونذر ، ومن قرآن وزبر . وما حول ذلك كله من خلق ووجود وتصريف لهذا الوجود . . إن ذلك كله ، وكل صغيرة وكبيرة مخلوقة بقدر ، مصرفة بقصد ، مدبرة بحكمة . لا شيء جزاف . لا شيء عبث . لا شيء خلقناه بقدر » . كل شيء . . كل صغير وكل كبير . كل ناطق وكل صامت . كل متحرك وكل ساكن . كل ماض وكل حاضر . كل معلوم وكل مجهول . كل شيء . . خلقناه بقدر . . قدر يحدد حقيقته . ويحدد صفته . ويحدد مقداره . ويحدد زمانه . ويحدد مكانه . ويحدد ارتباطه بسائر ما حوله من أشياء . وتأثيره في كيان هذا الوجود . وإن هذا النص القرآني القصير اليسير ليشير إلى حقيقة ضخمة هائلة شاملة ، مصداقها هذا الوجود كله . حقيقة يدركها القلب جملة وهو يواجه هذا الوجود ، ويتجاوب معه ، ويتلقى عنه ، ويحس أنه خليقة متناسقة . تناسقا دقيقا . كل شيء فيه بقدر يحقق هذا التناسق المطلق ، الذي ينطبع ظله في القلب جملة وهو يواجه هذا الوجود .